حارسُ البهجةِ في ثلّاجةِ الأحلام
حارسُ البهجةِ في ثلّاجةِ الأحلا


. في قلب كلِّ مدينةٍ صاخبةٍ فسحةٌ صغيرةٌ للدفء، حتى إن خيّم عليها غبارُ الظهيرة.
. هناك، يلمعُ وجهٌ كحبّةِ سكرٍ فوق قطعة براوني خارجةٍ تَوًّا من الفرن.
. رنينُ الماكينات يغطي صوته أحيانًا، لكنّ حضوره يصل حين تحتاجه الأذن.
. اسمهُ إسلام عبد الرحمن، ووظيفتُه الرسمية «مدير فرع» محل كولد ستون بمدينتي ، لكن قلبه يعملُ خارج الوصف الوظيفيّ.
. يصنعُ ابتساماتٍ أكثرَ مما يصنع «سكوبات» فانيليا، ويزيحُ الغيمَ عن صدرِ كلِّ غريب.
. يرممُ مزاجَ الزبائن قبل أن يرمم نقصَ الشوكولاتة على الرفّ
. يضعُ كفَّهُ على كتف التعب ويهمس: «خذ استراحة… الحلاوة علينا».
. يفهمُ أن النكهةَ ليست طعامًا فحسب، بل لحظةُ هدوءٍ تُقاس بالملعقة.
. لهذا تحوّل «كولد ستون» إلى نقطةِ لقاءٍ لا مجرّد محلٍّ لبيع المثلّجات.
. ومن هنا تبدأ فصولُ حكايةٍ تُروى بملحٍ من سُكّرٍ وشغف.
في الزاويةِ التي تتلألأ فيها أرففُ النكهات، يجلسُ مديرُ الفرعِ إسلام عبد الرحمن خلف مكتبٍ لا تحجبه الحواجزُ بقدر ما يضيئهُ حضوره. يدلفُ الزبائن فيجدون رجلاً يزيحُ عن صدورهم عناءَ نهارٍ طويلٍ بابتسامةٍ صافية، ليبدو لهم أنّ أوّل لقمةٍ من المثلّجات تبدأ من ملامح وجهه لا من الكوب الزجاجيّ. سرُّ نجاحِ هذا المكان ليس في جودةِ النكهات وحدها، بل في روحٍ تُوزّعُ الطمأنينة قبل الـ«سكووب» الأوّل.
إسلام لا يرى في فريقه «موظّفين» بل إخوةً في رحلةٍ مشتركةٍ نحو التفوّق. يتجوّل بين الماكينات ليلتقط همساتِ التعب، ويقرعُ أجراسَ الفرح حين يلمح إنجازًا صغيرًا؛ يًصلح عطبَ المزاج إذا انكسر خاطرُ أحدهم، ويذكّرهم دائمًا: «لو ذاب الآيس كريم في كفّ أحدكم، فليذُب قلقي أنا قبله». كلماتٌ لا تُعلَّق على الجدران، لكنّها منقوشةٌ في ذاكرة كلِّ من مرّ بهذا الركن الحلو.
وعندما تغوصُ إلى ما وراء الضحكة، تظهرُ تفاصيلُ إنسانيته الدافئة: يخفي دمعته كي لا يُثقل على غيره، ويرسلُ راتبَ عاملٍ مريضٍ إلى عائلته قبل أن يلمس راتبه هو جيبه. هو آخرُ من يغادرُ ليتأكّد أنّ الثلاجات تنامُ مطمئنةً كأطفالٍ في حضن أمّ، وأوَّلُ من يتسلّل صباحًا ليبدّل مصباحًا معطّلًا حتى لا يتسلّق أحدُهم. يقفُ بجوار موظّف الاستقبال في ذروة الزحام قائلًا: «اليوم أنا أنت»، ويحتضنُ الخطأ قبل أن يعاتب صاحبَه ليدوّب اللومَ ويثمرَ التعلم. تركت طفلةٌ صغيرةٌ في دفتر ملاحظاتها عبارةً تختصرُ المشهد: «العمُّ إسلام جعل اللونَ الوردي طعمًا». وهو بالفعل يقيسُ حرارةَ الفريزر بكفّه، وحرارةَ القلوب بنظرته، ويرى في كلّ زبون حكايةً تستحقُّ الإصغاء أكثر من وصفةٍ تستحقُّ البيع.
خاتمة جديدة
وهكذا، لا يعودُ الزائرُ من «كولد ستون» حاملاً كوبًا باردًا فحسب، بل ذاكرةً دافئةً تتوهّجُ كلما مرّ طيفُ يومٍ قاسٍ. ففي عالمٍ تُسابقُه السرعةُ وتُجمّده التفاصيل، يبقى إسلام عبد الرحمن الدليلَ على أنّ الدفءَ الحقيقيّ يُصنعُ بيدٍ تمسحُ عن القلبِ غبار التعب، قبل أن تقدّم له ملعقةً من حلوى الأحلام. ومع كلِّ ابتسامةٍ يُهديها، تذوبُ حواجزُ البرودة وتنكشفُ حقيقةٌ بسيطة: أجملُ النكهاتِ ليست في النعناع أو الشوكولاتة، بل في إنسانٍ يسكبُ الحبَّ في قوالبَ من ابتسامات.